أكد الدكتور شوقي علام مفتي الجمهورية، رئيس الأمانة العامة لدُور وهيئات الإفتاء في العالم، أن تراثنا الفقهي ليس مجموعة من النصوص الحرفية، أو المخطوطات العلمية التي إذا عملنا على خدمتها وتحقيقها وإخراجها نكون قد أدينا كل ما يجب علينا تجاه التراث، بل إنه مجموعة القيم الإنسانية والحضارية التي انبثقت أنوارها من القرآن الكريم والسنة المطهرة، فوصل ديننا الحنيف إلى شتى بقاع المعمورة، مشيرا في الوقت ذاته إلى أنه من واجبنا اليوم وغدًا وكل يوم هو الحفاظ على ذلك الموروث وتطويره حتى يظل حيا وقادرًا على أداء دوره إلى قيام الساعة”.
جاء ذلك خلال كلمة ألقاها في أعمال ندوة الحج الكبرى في نسختها الـ46، بعنوان “الحج ما بعد الجائحة.. نسك وعناية”.
ووجه المفتي، الشكر للمملكة العربية السعودية نيابة عن عموم المسلمين على جهودها المتواصلة لإنجاح موسم الحج، قائلا إن “السعودية قد أدركت جيدًا حجم الواجب العظيم الذي أُنيط بها، وأمانة رفادة الحجيج وسقايتهم ورعايتهم، فرعت تلك الأمانة حق رعايتها، وقامت بما وكِّل إليها خير قيام، سائلًا المولى تعالى أن يُعينها دومًا على رعاية الحرمين الشريفين وعمارتهما”.
وأكد مفتي الجمهورية، أن من المآثر التي تفخر بها حضارتنا الإسلامية والعربية ذلك الموروث الفقهي الفريد، الذي بلغ ذروة ازدهاره في القرون الأولى، وظل قادرًا على تمثيل مرجعية موثوقة لأمة بكاملها لقرون متعاقبة.
وتطرقت كلمة المفتي إلى الحديث عن المنظومة الفقهية الإسلامية منذ نشأتها وتأسيسها على عدة مبادئ ضَمِنت لها التجديد التلقائي، والتطور الذاتي الذي لا يتوقف مهما تعاقبت عليها الأزمان، موضحًا أن منها؛ الرؤية الواعية من قبل الفقيه لظروف العالم حولَه، وإدراك متغيراته بدقة وعمق.
وقال إن من أبرز ما يعبر عن ذلك في تلك المنظومة: اعتبار العرف عنصرا مؤثرا في الأحكام الشرعية، مؤكدًا أن ذلك العرف ما هو إلا إدراك من الفقيه لما يحدث حوله، وفهم لما ينتاب حياة الناس الاجتماعيةَ من تغير مستمر يجب مراعاته، ومن ثم قدرته على مواكبته والتعامل مع نوازله وحوادثه، ولذلك تقرر في قواعد الشريعة مبدأ: (العادة محكمة) فكان اعتبار العادات والأعراف نافذة الفقه الإسلامي للتفاعل مع العالَم، وضامنا للمرونة الفقهية التي تساعد الفقه على التجاوب والتجديد وفقا للسياق الاجتماعي والتاريخي والظرف الراهن بوجه عام.
وأضاف: أسس الفكر الإسلامي الفقهي لمبدأ عدم التعصب لمذهب فقهي واحد على حساب مقصد التجديد ومصلحة المجتمع؛ ونحن في أمس الحاجة إلى هذا المبدأ اليوم لتحقيق الانضباط في فقه النوازل والحوادث لتحقيق مصلحة المستفتي بعيدًا عن التحزب المذهبي امتثالًا لقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}.
كما شدَّد على أنه للمنظومة الفقهية الإسلامية منهجها الرصين، وضوابطها الواضحة في احتواء النوازل والمستجدات على مدى القرون السالفة، مبينا أن تلك المنظومة قد اعتمدت مبادئ التيسير والسماحة، وسهولة التطبيق، وتنزيل الأحكام الشرعية الثابتة في الكتاب والسنة على الواقع بما يوافق حالةَ الإنسان الخاصةَ وظروفَ المجتمعات بشكل عام، وهذا يعد من أهم خصائص الشريعة الإسلامية بصفة عامة، وقد أثمر ذلك بالضرورة صلاحيةَ هذه الشريعة لكل زمان ومكان، ومرونتها الكبيرة في مواجهة النوازل والقضايا التي تستجد.
واردف: “الشريعة الإسلامية ربانيةُ المصدر، قد جاءت بواسطة الوحي من لدن الحكيم الخبير تبارك وتعالى، مراعية لمصالح العباد، نافية لجميع صور التشدد والغلو والتضييق”.